أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

246

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الرازي في كتاب اللوامح على شاذ القراءة . قلت : ويمكن أن تجيء المسألة من باب الإعمال ، لأن كلا من « مَذْؤُماً » و « مَدْحُوراً » يطلب هذا الجار عند هذا القائل من حيث المعنى ، ويكون الإعمال للثاني ، كما هو مختار البصريين للحذف من الأول . والثالث : أن يكون هذا الجار خبرا مقدما ، والمبتدأ محذوف ، تقديره : لمن تبعك منهم هذا الوعيد ، ودل على قوله : « هذا الوعيد » قوله : « لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ » ، لأن هذا القسم وجوابه وعيد ، « وهذا أراد الزمخشري بقوله : « بمعنى : لمن تبعك منهم الوعيد ، وهو قوله : « لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ » ، على أن « لَأَمْلَأَنَّ » في محل الابتداء ، و « لَمَنْ تَبِعَكَ » خبره » . قال الشيخ « 1 » : فإن أراد ظاهر كلامه فهو خطأ على مذهب البصريين ، لأن قوله : « لَأَمْلَأَنَّ » جملة هي جواب قسم محذوف ، فمن حيث كونها جملة فقط لا يجوز أن تكون مبتدأ ، ومن حيث كونها جوابا للقسم المحذوف يمتنع أيضا ، لأنها إذ ذاك من هذه الحيثية لا موضع لها من الإعراب ، ومن حيث كونها مبتدأ لها موضع من الإعراب ، ولا يجوز أن تكون الجملة لها لها موضع من الإعراب ، ولا موضع لها من الإعراب ، وهو محال ، لأنه يلزم أن تكون في موضع رفع ، لا في موضع رفع ، داخل عليها عامل ، غير داخل عليها عامل ، وذلك لا يتصور » . قلت : بعد أن قال الزمخشري - : « بمعنى : لمن تبعك الوعيد ، وهو « لَأَمْلَأَنَّ » - كيف يحسن أن يتردد بعد ذلك ، فيقال : إن أراد ظاهر كلامه ؟ كيف يريد ، مع التصريح بتأويله هو بنفسه ؟ وأما قوله : « على أن « لَأَمْلَأَنَّ » في محل الابتداء » . فإنما قاله لأنه دال على الوعيد الذي هو في محل الابتداء ، فنسب إلى الدال ما ينسب إلى المدلول من جهة المعنى . وقول الشيخ أيضا : ومن حيث كونها جوابا للقسم المحذوف يمتنع أيضا إلى آخره » . كلام متحمل عليه ، لأنه لا يريد جملة الجواب فقط البتة ، إنما يريد الجملة القسمية برمتها ، وإنما استغنى بذكرها عن ذكر قسمها ، لأنها ملفوظ بها ، وقد تقدم لك ما يشبه هذا الاعتراض الأخير عليه وجوابه . وأما قول الشيخ : « ولا يجوز أن تكون الجملة لها موضع من الإعراب ، ولا موضع لها من الإعراب إلى آخر كلامه . كله شيء واحد ، ليس فيه معنى زائد . وقوله تعالى : أَجْمَعِينَ تأكيد . واعلم أن الأكثر في « جمع » وأخواته المستعملة في التأكيد إنما يؤتى بها بعد « كل » ، نحو : فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ « 2 » ، وفي غير الأكثر قد يجيء بدون « كل » ، كهذه الآية الكريمة ، فإنّ « أَجْمَعِينَ » تأكيد ل « مِنْكُمْ » ، ونظيرها فيما ذكرت لك أيضا قوله تعالى : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ « 3 » . وفي البقرة : رَغَداً ، وهو هنا محذوف ، لدلالة الكلام عليه . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 20 إلى 21 ] فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ ( 20 ) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ ( 21 ) قوله : فَوَسْوَسَ لَهُمَا . أي : فعل الوسوسة لأجلهما . والفرق بين : « وسوس له » و « وسوس إليه » : أن « وسوس له » بمعنى :

--> ( 1 ) انظر البحر ( 4 / 278 ) . ( 2 ) سورة الحجر ، آية ( 30 ) . ( 3 ) سورة الحجر ، آية ( 43 ) .